الشيخ محمد الصادقي

10

التفسير الموضوعى للقرآن الكريم

- فقط - بالحكمة الحسنة ، لضعف العقلية أو العلمية أم صلابة الطوية . فمن القلوب ما تحتاج إلى كلتا الحسنتين ، لأنها خاوية عن الحكمة ، خالية عن الموعظة ، فقد تتقدم لها الحكمة الحسنة ثم الموعظة ، أم تتقدم الموعظة الحسنة ثم الحكمة تربطها ، حسب اختلاف القلوب المهتدية في حاجياتها الدعائية . فإذا كانت الحكمة أو الموعظة سيئة انقلب إلى أضل مما كانت ، وإذا كانت حسنى الموعظة والحكمة ، فهي قمة الدعوة ولكنها ليست ضرورية ، فبحَسَب الدعوة للمهتدين تكون الحكمة والموعظة الحسنة . ثم إذا كان الحوار مع من ضل عن سبيل ربك ، متعنتاً ، ضد الحق ، متفلتاً عنه ، ملفتاً إلى الضلال والإضلال ، فلا الحكمة الحسنة تنجيه ، ولا الموعظة الحسنة تكفيه ، هنا يأتي دور الجدال بالتي هي أحسن ، لا السيء ولا الحسن ، والجدال هي المفاوضة على سبيل المنازعة والمغالبة ، وأصله من جدلت الحبْل اي أحكمت فتْله ، فكأن المتجادلين يفتل كل واحد مجادله عن رأيه . أم هي الصراع وإسقاط الإنسان صاحبه على الجَدالة وهي الأرض الصلبة . ولا يسمح في الجدال على أية حال إلا إذا لزم الأمر ، ولم تؤثر الحكمة والموعظة الحسنة الأثر المُرام ، ثم لا يسمح فيه إلَّا بالتي هي أحسن ، وطبعاً إذا أثرت الحسنى ، وإلا فحرباً حرباً : « وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ » . فليطامن الداعية أمام من ضل من حماسه واندفاعة ، فلا يتحامل عليه ولا يُسيَ إليه ، بل ويُحسن كأحسن ما يُرام حتى يطمئَن إليه ، ويشعر أن ليس هدفه القضاء عليه ، فما هو ميدان مصارعةٍ يصرع كلٌّ خصيمه بمختلف الحيل ، وإنما الهدف في الحوار كشف القناع عن الحق ، سواءً أكان مع الداعية أو المدعو ف « إِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » . فالنفس البشرية - ولا سيما الضالة المعتدية غير المهتدية - لها كبرياءها وعنادها ،